الشيخ داود الأنطاكي
217
ثلاث رسائل طبية لداود الأنطاكي
العظام ، وانتفض الجسد حتى يقع بردها في عصبات الفؤاد ، ويحيط به فيضطرب عند ذلك الفؤاد لاغتمامه ، وما يتأذى به من بردها اضطرابا شديدا يستغل حره في جميع الجسد حتى يغلي الجلد فيعرق حينئذ عرقا مسخنا يخرج برد ما كان منتشرا في العروق من المرة السوداء ، والأخلاط الفاسدة ، فيسكن عند ذلك الجسد من انتفاضه ، وتهدأ العروق من اضطرابها ، والعظام من تقعقعها ثم يعود لوقته فيما يستقبل إلى مثله كلما امتلأت العروق ، وبرد الجسد اضطرب الفؤاد كما قررناه ، فافهم ذلك ! واعلم أن ألوان الحمى كثيرة ، وضرورتها شتى فأشياء منها مختلفة ، ومعرفتها شاقة ، وذلك لأن لكل طبيعة من طبائع الجسد صنف من ألوان الحمى مثل : حمى الربع والغب الدائمة ، وحمى يوم فمنها ما يكون من يبس الجسد وغلظه ، ومنها ما يكون من لين الجسد ورطوبته ، ومنها ما يكون من أرواح الجسد ، وهي ثلاثة : ريح القائم ، وريح الحياة ، وريح الحر أكثر ، ولكل واحد من هذه الأرواح نوع من الفراع الحمى ، ومنها ما يكون في العروق ، ومنها ما يكون في باطن العروق فالذي يكون في ظاهر العروق أهدئهما علاجا ، وأسرعهما ذهابا والتي في باطن العروق أشدها علاجا ، وأبطأها برءا ، وكل حمى تأخذ بالبرد من غير نافض ، ويرى صاحبها بردا شديدا ، وثقلا وقشعريرة في الجسد فأصلها من البلغم اليابس في الأعضاء ، فإذا وصل بردها في الفؤاد ، وانتشر حتى يعلو الجلد على مثل حمى الربع الكائنة من المرة السوداء أو الأخلاط الفاسدة ليس كل حمى تأخذ في النافض من بردها ، فليس انتفاضه من البرد ، ولكن حر المرة الصفراء هي تبدأ بنافض وتضرب لها العروق ضربا شديدا . قال الحكيم : أخبرني ما بال الإنسان ينام على قفاه فيرى الرؤيا الكثيرة فلا يذكر منها أشياء إذا استيقظ ، وينام على جنبيه فلا ينسى شيئا مما رأى ؟ فقال : اعلم أن ذلك من قبل انفساخ الدماغ ، وإنعاظه ، لأن الدماغ فيه المعرفة ، والحفظ ، والذكاء البعيد في مؤخر الدماغ ، فإذا رقد الإنسان على